الغزالي
29
ميزان العمل
لازما للعمل ، فهو للعلم ألزم ؛ لأن العلم أقرب الطرق إلى اللّه ، وأساس الوجود ، فما كان الوجود ليقوم على الجهل . هذا خلق اللّه ، بنى على العلم ، وكان من كمال العلم الذي بنى عليه ، أن أصبح العلم بأسراره ملحظا يرى العارفون فيه وجود اللّه . وهذا خلق الناس ، ما بنى منه على العلم ، ثبت واستقام ، وما بنى على الجهل ، تمايل وتهدم ، رزقنا اللّه الصبر ، ووفقنا إلى السبيل الحقة الموصلة إلى العلم ، وجعله غايتنا ، نبذل في سبيله كل شئ ، وجعله همنا الذي نفتديه بكل شئ ، ونسألك اللهم أن لا تجعل الدنيا همنا نسخر العلم لأهدافها الرخيصة ؛ فإن العلم غاية لا وسيلة . والعلم الذي لا تصلح الحياة بكل ما فيها إلا أن تكون وسيلة إليه ، غير العلم الذي يخدم أغراض الحياة ، ويسخر لخدمة الأحياء . وستعلم أقسام العلم هذه ، ووظائف كل قسم منها ، في أسلوب الغزالي الشيق الذي سوف تستمتع به أثناء قراءتك لكتابه [ ميزان العمل ] الذي نمهد له بهذه الكلمات . * * * نعود إلى الغزالي ، فنجده - في ثنايا بحثه عن الحقيقة عند الفلاسفة - يعرض علينا حصرا لأقسام الفلاسفة الذين كانوا معروفين حتى عهده ، يقول : [ اعلم أنهم على كثرة فرقهم ، واختلاف مذاهبهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام : الدهريون . والطبيعيون . والإلهون . الصنف الأول : الدهريون ، وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر ، العالم القادر . وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه ، لا بصانع . ولم يزل الحيوان من النطفة ، والنطفة من الحيوان كذلك . كذلك كان ، وكذلك يكون أبدا . وهؤلاء هم [ الزنادقة ]